تحقيق: سلمى فتح الباب ــ شوقي مهدي
«مقتل طالب مقتل أمة» عبارة يكثر سماعها عقب مقتل طالب باحدى الجامعات .. والعبارة رغم عمق المعاني التي تحملها فهي تصور واقعا بتنا نعيشه ..وهو واقع قتل الطلاب ...في كل مرة يقتل طالب باحدى الجامعات المنتشرة بولايات السودان .. وتتسارع الاحداث وتصدر التصريحات " طلاب المؤتمر الوطني يتهمون طلاب الجبهة الديمقراطية او الحزب الشيوعي بمقتل الطالب « وفي المقابل وفي حادثة اخري مشابهة » طلاب الجبهة الديمقراطية او الشيوعي يتهمون طلاب المؤتمر الوطني بمقتل طالب « ... تتغير سيناريوهات القتل ولا يتغير المتهمون !!.. ما الذي يحدث وهل التياران الاسلامي واليساري هما المسؤولان عما يحدث بالجامعات السودانية ام من المسؤول ؟ وهل يقتل الطلاب نتيجة لتخطيط مسبق ام ان الامر يحدث فجأة ؟ ولماذا يقتل الطالب اخاه الطالب ؟ وهل بات القتل احدى وسائل التعبير عن الرأي والرفض؟ واين هم المتهمون في الجرائم السابقة ؟ وهل تتدخل التسويات السياسية في جعل امر القتل سهلا؟ ... العديد من الاسئلة طرحناها من خلال هذا التحقيق في محاولة لفك طلاسم السؤال الجوهري « من يقتل من ولماذا ؟»....
انتهينا في الحلقة الماضية عند اتهام وائل طه محيي الدين «ناشط نقابي وكادر يساري معروف على مستوى الجامعات»، عند اتهامه لطلاب المؤتمر الوطني بالتعاون مع القوات الحكومية حيث قال: «لا بد من التطرق لأحداث عنف أساسية بعضها قاد لاغتيال وبعضها أدى لغير ذلك من تعذيب حيث اشتهر الإسلاميون بتعاونهم الوثيق مع القوات الحكومية»، ومضى مضيفاً «البلاغات التي فتحت في مواجهة الجناة جميعها (عطل) بشكل متعمد حيث أن المتهمين الأساسيين من الطلاب الإسلاميين المعروفين وقضايا اغتيالات جامعة الخرطوم حدثت أمام مرأى من الناس».. وكان الطالب محمد يوسف محمد سليمان «جامعة الخرطوم».. المستوى الرابع كلية الإعلام «كادر مؤتمر وطني».. قد عقّب على حديث وائل بالقول «هل القوات الحكومية مؤتمر وطني.. (لا)، ليست كلها تتبع للمؤتمر الوطني. فهي قومية ومتى ما ذهب النظام فإنها باقية وفي الانتخابات القادمة يمكن أن لا يفوز المؤتمر الوطني.. هل سيتم حل هذه القوات؟؟ هذا نظام مؤسس انشيء لحماية الدولة ونحن لا نعتدي إلا في حالة الدفاع عن النفس...»، ومن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم «وقد نرد بشتى الطرق المتاحة لنا».? حديث وائل ومحمد، فتح باباً من التساؤلات حول حقيقة اتهام وائل لطلاب المؤتمر الوطني بالتعاون الوثيق مع القوات الحكومية ومن قبلها حديث محمد بأن قتل الطلاب سواء المنتسبين للمؤتمر الوطني أو الجبهة الديمقراطية والحزب الشيوعي معظمها تسببت به القوات الحكومية.. محمد ردّ على اتهام وائل لهم بالتعاون مع القوات الحكومية بالقول «معروف في كل الدول أن التنظيم الحاكم لديه عضوية في الجامعة تسهل لها الدولة نشاطها بصورة مستمرة.. ونحن لا ندافع عن قضايانا الطلابية فقط وإنما ندافع عن الاتهامات الموجّهة للحكومة ونحن لدينا مكتب فني بمثابة مكتب عسكري ونفس المكتب موجود لدى الطلاب الشيوعيون».. وعن طبيعة عمل هذا المكتب قال «المكتب الأمني يعمل على تغطية المخاطبة الطلابية ويمنع أحداث الشغب»، وتابع قائلاً «القوات الحكومية غير مسموح لها باعتقال طالب داخل الجامعة والطالب الذي يتم اعتقاله في الشارع نحن غير مسؤولين عنه، ومنذ أن قام الشيوعيون بإدخال الشرطة إلى الجامعة لاعتقال عضويتنا قبل الانقلاب الذي حدث على نظام نميري، منذ ذلك الوقت لم يحدث أن تم اعتقال شخص داخل الجامعة».
العداء الواضح بين التيارين والذي ظهر من خلال افاداتهما.. جعلنا نطرح عليهما سؤالاً مباشراً.. يقول إن العداء الموجود بين التيارين هو السبب في ما يحدث من قتل وخراب بالجامعات؟؟ وائل رد بالقول «لا أوافقك الرأي أن طرفي الاغتيالات هما الجبهة الإسلامية والجبهة الديمقراطية أو اليسار واليمين.. أستطيع القول إن هنالك طرفاً ثابتاً وهو النظام سواء بمفرده أو بواسطة طلابه (المؤتمر الوطني) والطرف الثاني هم المعارضون (شيوعيون- ديمقراطيون- معارضة- تنظيمات أخرى- وغير منظمين).. فالإسلاميون مهووسون في مخيلتهم بكيل العداوة لليساريين وهذه مسألة خاطئة».? محمد أجاب على نفس السؤال قائلاً «هذا الحديث غير صحيح والشيوعيون إلى الآن لم يواجهونا مباشرة ولكني أعتقد وهذا رأيي الشخصي أن أكثر التنظيمات التي تأتي بعدنا في الفهم السياسي الواعي والفهم الأمني هي الجبهة الديمقراطية التي استطاعت في جامعة الخرطوم أن تجمع التنظيمات المعارضة.. والجبهة الديمقراطية لو تركت العمل السياسي بجامعة الخرطوم فلن تقم للتحالف قائمة». وأضاف بالقول «الجبهة الديمقراطية تفتعل المشاكل مثل تأليب بعض الروابط على طلاب المؤتمر الوطني.. ومنذ إنشاء الجامعة كان الاخوان المسلمون في مقدمة العمل الإسلامي قبل أن يتحوّل الاسم إلى الاتجاه الإسلامي والحركة الإسلامية والآن لحركة الطلاب الإسلاميين الوطنيين.. وفي الجانب الآخر (العلماني) الذي يقوده في المواجهة الجبهة الديمقراطية والحزب الشيوعي وكل التنظيمات اليسارية في جهة واحدة إذا توفي شخص منهم فأين سيوجهون الاتهام؟ سيوجهونه بالطبع (للكيزان) ويقولون إنهم من قتل الطالب فلان الفلاني».
وأضاف وائل متحدثاً عن ذات النقطة بالقول «يتم استهداف الطالب النشط لأن له قضية «مع وجود استثناءات» فمثلاً الطالب بشير كان رئيس رابطة طلاب آداب وهي -أي الرابطة- كانت معارضة للنظام ومحمد عبد السلام عضو بلجنة السكن وعضو نشط بالجبهة الديمقراطية (كلية القانون) وعضو بمركزية الجبهة الديمقراطية (قيادة الجبهة الديمقراطية)».
دفع الله الخزين الأمين العام للاتحاد العام للطلاب السودانيين، قال عندما سألناه عن ما يحدث بالجامعات.. «هنالك إفرازات مثل افرازات الصراع المسلّح وهنالك عدد من الطلاّب لديهم مشاركات في حركات مسلحة سواء كانت الحركة الشعبية أم الحركات المتمردة الآن بدارفور، وهم إذا لم يكونوا جنوداً فهم مؤيدون.. وأيضاً هنالك من كانوا مجاهدين وإن كان الجهاد به تهذيب ودافعه عقدي وهو يجعل الشخص يفرّق بين الحرمات ولكن لديه افرازات لا تنكر مثل الشراسة والضرب».. وتابع الخزين مضيفاً «نعتقد أن افرازات الحركات المسلحة قلت بعد أن دخلت الحركة الشعبية وجزء من الحركات في الحكومة وأعتقد أن الظاهرة في طريقها للإنحسار».
سألنا الخزين عن أعداد الطلاب الذين قتلوا حتى الآن بالجامعات فقال «أحد القصور الذي لدينا تجاه هذه الظاهرة هو عدم وجود رصد دقيق وموضوعي كي نستطيع أن نحدد أن القتل في أزدياد أو نقص وقد كلفنا بعض الأخوة في الاتحاد بعمل دراسة حتى نستطيع التحدث بالأرقام، ولكن نعتقد أن الجو العام أفضل من السابق فالآن توجد حريات وممارسة سياسية راشدة على مستوى الدولة والأحزاب وهنالك تحالفات وحوار يتم بين كل التنظيمات يفترض أن ينزّل إلى الطلاب بالجامعات».
وعن أسباب استخدام بعض الطلاب للقتل كأسلوب للتعبير قال وائل «هذا الأمر مرتبط بالأيديولوجيا وطلاب المؤتمر الوطني يعتمدون على الاتجاه الميكافيللي (الغاية تبرر الوسيلة)».
أما محمد فتحدّث عن العداء التاريخي بين التيارين بالقول «الحديث عن العداء بين التيارين يقودنا لبداية التيارين فقيام الحزب الشيوعي في الجامعات في تلك الفترة والخوف على العقيدة الإسلامية جعل طلاباً معتدلين ذوي توجه إسلامي يكونون جماعة موازية بعد أن رأوا ممارسات الحزب الشيوعي السوداني والعلمانية والعداء السافر للإسلام.. ولدينا طلاب درسوا بالأزهر هم من أسسوا لجماعة الأخوان المسلمين». وعن إمكانية أن يختفي هذا العداء في يوم من الأيام.. ردّ محمد «لا أظن، إلا في حالة أن لا يكون هنالك شيوعيون أو جبهة ديمقراطية في السودان وطالما الحزب الشيوعي موجود فسيستمر مسلسل الاغتيالات.. لأنه إذا توفي منهم طالب سيفتعلوا المشاكل ويقومون بطعن طالب، ولكن بالطبع لن نسكت وسنرد».? ويعتقد محمد أن قتل الطلاب يحدث دون تخطيط وأنه إذا كان هنالك مائة طالب قد قتلوا فإن عشرة منهم فقط ينتمون لتنظيمات سياسية والسبب أن الكادر «المنظم».. يعرف كيف يختفي في المظاهرات من القوات الحكومية وأن القتل غالباً ما يتم لأسباب مثل الإساءة والاستفزاز... وهنا أتفق محمد مع هاشم الذي كان في أحد الأيام كادراً سياسياً من التنظيمات المصنفة كتنظيم يساري.. هاشم قال شارحاً الأمر «الكادر التنظيمي القائد للمظاهرة المعينة لديه خطوات أهمها الانسحاب من المظاهرة بعد أن تأخذ طابعها المطلوب.. وغالباً ما يرتدي زيّاً معيناً تستطيع الأجهزة الأمنية التي تراقب المظاهرة تبينه من مسافة بعيدة.. وفي مرحلة ما ينسحب هذا الكادر من المظاهرة وهنالك كوادر تنظيمية من تنظيمه توفر له الانسحاب بسلام كما توفر تغطية تحميه من الجهات الأمنية عبر التخلص من الملابس التي بدأ بها المظاهرة، وهو غالباً ما يرتدي ملابس أخرى تحت الملابس التي ظهر بها في المظاهرة»..
وتابع هاشم متحدثاً «الكوادر المساعدة مهمتها توفير طريق آمن للكادر القيادي حتى ينسحب من المظاهرة ويصل إلى ما يسمى بـ(المنطقة الآمنة) وهي غالباً منزل أو سيارة وفي حال حدوث أي طارئ فإن الخطة البديلة غالباً ما تكون جاهزة لضمان مغادرته، لأن التنظيم غالباً لديه خطة (أ) وخطة (ب) وخطة (ج)، لتنفيذها مرحلة بعد الأخرى وفي حال فشل في الأولى يلجأ للخطة الأخرى». وفي رأي هاشم أن هذه هي الأسباب التي تجعل الكادر المنظم لا يقع تحت طائلة القوات الحكومية واعتقاله غالباً يتم بمنزل أو شارع جانبي.
الأستاذ سليمان الأمين رئيس اتحاد جامعة الخرطوم في العام 1979ــ 1980م «عن مؤتمر الطلاب المستقلين».. يوافق محمد بأن قتل الطلاب ليس باغتيال وأنه لا يوجد اغتيال في تاريخ الحركة الطلابية فالاغتيال حتى الآن غير موجود في سلوك الطلاب السودانيين، ولكن هنالك موت يحدث نتيجة لعنف.


No comments:
Post a Comment